السيد كمال الحيدري
30
الإنسان بين الجبر والتفويض
إنّ المشكلة التي أوقعت هؤلاء بهذا المطبّ هو ما تصوّروه من أنّ إثبات فاعلية شيء غير الله يتنافى مع الفاعلية الإلهيّة ، كنتيجة لخلطهم بين العلل الطولية والعرْضية . ففي مثال النار والحرارة ينتهي منطق هؤلاء إلى أنّه إذا فرضنا أنّ الأثر - وهو الحرارة - فِعْل النار ، فيستحيل أن يكون فِعل الله ، وإذا أذعنّا أنّ هذا الأثر - الحرارة - فِعل الله ، فيستحيل أن يكون فعل النار ؛ لاستحالة توارد علّتين وسببين على معلول واحد « 1 » . ثمّ إنّ الله سبحانه إذا فعَل الفعل ، فلا معنى لتأثير النار فيه ؛ لأنّه إذا قلنا أنّ النار توجِد الحرارة ، فالحرارة موجودة ، ومعنى الكلام أنّ النار توجد الموجود ، وهذا تحصيل حاصل . أمّا إذا قلنا أنّها توجِد المعدوم ، فالمفروض أنّ الحرارة موجودة ، وهذا خلف . أمّا إذا غيّرنا المنطلق
--> ( 1 ) للمرء أن يقول لهؤلاء السادة : إنّ هذا استدلال ، والاستدلال لا يتمّ إلّا بقانون السببية . أمّا مع عدم الإذعان إلى العلاقة الضرورية الكائنة بين المقدّمات والنتيجة فلا يمكن أن يثمر الكلام عن شيء حتّى لو كانت المقدّمات تامّة وصحيحة ، ومن ثمّ فإنّ « لابدّية » النتيجة لا تصحّ إلّا على الإيمان بمبدأ السببية .